حسناء ديالمة
147
الفكر التربوي الإسلامي عند الإمام جعفر بن محمد الصادق
عجائب ، فقال : « والعجب من مخلوق يزعم أن اللّه يخفى على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه » « 1 » . وهو يبيّن الطريق الموصلة إلى معرفة اللّه سبحانه بدلالات حسيّة تقود إلى الإيمان به وحده فيستدلّ باستقامة النظام الكوني ووحدته على وجود اللّه وتوحيده قائلا : « ولعمري لو تفكروا في هذه الأمور العظام لعاينوا من أمر التركيب البين ولطف التدبير الظاهر ووجود الأشياء مخلوقة بعد أن لم تكن ، ثم تحولها من طبيعة إلى طبيعة وصنيعة بعد صنيعة ما يدلهم على الصانع ، فإنه لا يخلو شيء منها من أثر تدبير وتركيب يدل على أن له خالقا مدبرا وتأليف بتدبير يهدي إلى واحد حكيم » « 2 » . فالصادق يعتمد في كلامه على عنصري الملاحظة والتفكير ، وهذه الطريقة من المحسوس إلى المعقول هي طريقة القرآن الكريم في الوصول إلى الحقيقة . وبما أن الإيمان يزيد برؤية آيات اللّه في إبداع مخلوقاته وجميل صنعه ، ينبّه الإمام الأفراد إلى الدقّة والتأمل فيما حولهم من ظواهر ومخلوقات ويشرح لهم عجائب الصنع الإلهي ولطائف التدبير فيها ، ليضع منظارا إيمانيا أمام أعين المتعلمين بحيث يستطيعون رؤية اللّه وعظمته في كل شيء ، كما روي أن رجلا جاء إلى الإمام فقال : يا جعفر بن محمد دلني على معبودي . فقال له أبو عبد اللّه : إجلس . وإذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها . فقال له أبو عبد اللّه : « ناولني يا غلام البيضة . فناوله إياها ، فقال له أبو عبد اللّه : هذا حصن مكنون له جلد غليظ وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق ، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة ، وفضة ذائبة ، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ، ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة ، فهي على حالها ، لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها ، ولا دخل فيها مفسد ، فيخبر عن فسادها ، لا يدري للذكر خلقت أم للأنثى ، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس أترى لها مدبرا ؟ » « 3 » وهكذا يوجّه الإمام نظر من يريد تربيتهم إلى جمال الإبداع الإلهي ، ويفتّح بصائرهم على القدرة المعجزة والخلائق العجيبة من الصانع الحكيم ، وذلك حسب مراحل نموهم ومداركهم ومستوى ثقافتهم وتعليمهم . فما يملك القلب إزاء ذلك إلا أن يخشع ويهتزّ لعظمة اللّه ، وما تملك النفس تجاه هذا إلا روح الخشوع والعبودية لربّ العالمين .
--> ( 1 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 152 . ( 2 ) المصدر نفسه والمكان نفسه ( 3 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 1 ، كتاب التوحيد ، ح 4 .